سيد قطب
3284
في ظلال القرآن
كيسان عن محمد بن عبد الرحمن عن أبيه عبد الرحمن بن عوف ، أنه سمع أبا بكر الصديق يقول : « وددت أني يوم أتيت بالفجاءة لم أكن أحرقته ، وكنت قتلته سريحا ، أو أطلقته نجيحا » . وعن أبي موسى أنه قتل دهقان السوس بعد ما أعطاه الأمان على قوم سماهم ونسي نفسه فلم يدخلها في الأمان فقتله . فهذه آثار متواترة عن النبي - صلى اللّه عليه وسلم - وعن الصحابة في جواز قتل الأسير وفي استبقائه . واتفق فقهاء الأمصار على ذلك . ( وجواز القتل لا يؤخذ من الآية ، ولكن يؤخذ من عمل رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وبعض الصحابة . وتتبع الحالات التي وقع فيها القتل يعطي أنها حالات خاصة ، وراءها أسباب معينة غير مجرد التعرض للقتال والأسر . فالنضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط كلاهما كان له موقف خاص في إيذاء رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وإيذاء دعوته . وكذلك أبو عزة الشاعر ، ولبني قريظة كذلك موقف خاص بارتضائهم حكم سعد بن معاذ سلفا . وهكذا نجد في جميع الحالات أسبابا معينة تفرد هذه الحالات من الحكم العام للأسرى الذي تقرره الآية : « فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً » ) . . وإنما اختلفوا في فدائه ، فقال أصحابنا جميعا ( يعني الحنفية ) : لا يفادى الأسير بالمال ، ولا يباع السبي من أهل الحرب فيردوا حربا . وقال أبو حنيفة : لا يفادون بأسرى المسلمين أيضا ، ولا يردون حربا أبدا . وقال أبو يوسف ومحمد : لا بأس أن يفادى أسرى المسلمين بأسرى المشركين . وهو قول الثوري والأوزاعي ، وقال الأوزاعي : لا بأس ببيع السبي من أهل الحرب ، ولا يباع الرجال إلا أن يفادى بهم المسلمون . وقال المزني عن الشافعي : للإمام أن يمن على الرجال الذين ظهر عليهم أو يفادي بهم ، فأما المجيزون للفداء بأسرى المسلمين وبالمال فإنهم احتجوا بقوله : « فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً » وظاهره يقتضي جوازه بالمال وبالمسلمين ؛ وبأن النبي - صلى اللّه عليه وسلم - فدى أسارى بدر بالمال . ويحتجون للفداء بالمسلمين بما روى ابن المبارك ، عن معمر ، عن أيوب ، عن أبي قلابة ، عن أبي المهلب ، عن عمران ابن حصين . قال : أسرت ثقيف رجلين من أصحاب النبي - صلى اللّه عليه وسلم - وأسر أصحاب النبي - صلى اللّه عليه وسلم - رجلا من بني عامر ابن صعصعة ؛ فمر به النبي - صلى اللّه عليه وسلم - وهو موثق ، فناداه ، فأقبل إليه رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فقال : علام أحبس ؟ قال : « بجريرة حلفائك » . فقال الأسير : إني مسلم ، فقال النبي - صلى اللّه عليه وسلم - : « لو قلتها وأنت تملك أمرك لأفلحت كل الفلاح » . ثم مضى رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فناداه أيضا ، فأقبل ، فقال : إني جائع فأطعمني . فقال النبي - صلى اللّه عليه وسلم - : « هذه حاجتك » . ثم إن النبي - صلى اللّه عليه وسلم - فداه بالرجلين اللذين كانت ثقيف أسرتهما . . ( وحجة القائلين بالفداء أرجح في تقديرنا من حجة أصحاب الإمام الجصاص على الاختلاف في الفداء بالمال أو بأسرى المسلمين ) . وقد ختم الإمام الجصاص القول في المسألة بترجيح رأي أصحابه الحنفية قال : وأما ما في الآية من ذكر المن والفداء ، وما روي في أسارى بدر فإن ذلك منسوخ بقوله : « فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ » . . وقد روينا ذلك عن السدي وابن جريج . وقوله تعالى : « قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ » إلى قوله : « حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ » . فتضمنت الآيتان وجوب القتال للكفار حتى يسلموا أو يؤدوا الجزية . والفداء بالمال أو بغيره ينافي ذلك . ولم يختلف أهل التفسير ونقلة الآثار أن سورة « بَراءَةٌ » بعد سورة « محمد » - صلى اللّه عليه وسلم - فوجب أن يكون الحكم المذكور فيها ناسخا للفداء المذكور في غيرها . . ( وقد سبق القول بأن هذا القتل للمشركين - أو الإسلام - مقصود به مشركو الجزيرة فهو حكم خاص بهم . أما غيرهم خارجها